اخر تحديث 12/3/2026
13 كانون الثاني 2026

عيدروس الزُبيدي.. من «حركة حتم» برعاية إيران إلى «المجلس الانتقالي» برعاية الإمارات

| بين البيان الأول (يناير 2014) والبيان الأخير (7 يناير2025) انتهت مسيرة الزبيدي هاربا مرتين..

 تكاد قصة صعود اللواء عيدروس قاسم عبدالعزيز الزبيدي، وأفوله، تتطابق مع سجل حارسه الشخصي مؤمن حسن علي السقّاف، الذي لازمه في جبال الضالع ولحج قبل نحو عقد، خلال النشاط المسلح للحراك الانفصالي الذي تبنّته إيران ضد الحكومة اليمنية، عبر "حركة تقرير المصير- حتم" وأذرع أخرى، كان عيدروس أحد قادتها الميدانيين، ورافقه في الهروب الأخير من عدن.

اسم مؤمن السقاف تداولته وسائل إعلام محلية وخارجية الأسبوع الماضي، كواحد من قادة المجلس الانتقالي الجنوبي، المتهمين بتوزيع السلاح في مدينة عدن، قال تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية في بيان (7 يناير 2026) إن الانتقالي نشر سلاح في المدن التي كانت تخضع لنفوذه بالقوة بهدف التصعيد. توزيع السلاح في المدينة أشرف عليها قادة الانتقالي، بينهم السقّاف.

 

ينحدر عيدروس الزبيدي (57 عاما) من منطقة زُبَيد بمحافظة الضالع، وهو ضابط سابق في الجيش الذي كان لـ "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" قبل الوحدة، تخرّج برتبة ملازم ثان من كلية القوى الجوية والدفاع الجوي بعدن عام 88م، عين في الدفاع الجوي، ثم انتقل بعد الوحدة إلى صنعاء، وعمل في وزارة الداخلية والقوات الخاصة.

محسوب على ما كان يعرف سياسيا داخل الحزب الاشتراكي الحاكم في عدن -آنذاك- بتيار "الطغمة" الذي كان يشكله بدرجة أساسية المنتمون إلى منطقة المثلث (الضالع، يافع، ردفان)، وهو التيار الذي كسب المواجهة أمام خصمه "الزمرة" الذي كان يشكله بدرجة أساسية المنتمون إلى أبين وشبوة، وذلك في الصراع الدموي الذي شهدته عدن (13 يناير 86م)، وانتهى بخروج رموز "الزمرة" إلى صنعاء، واستفراد "الطغمة" بحكم الشطر الجنوبي من البلاد برئاسة علي سالم البيض.

بعد مغادرة البيض صنعاء إلى عدن عقب الوحدة، وإعلانه الانفصال منها في (22 مايو 94م) وإشعال الحرب، التحق به الزبيدي وانخرط مع قواته في معارك التصدي للقوات الحكومية. خسر البيض تلك المواجهة، وغادروا البلاد متفرقين في أنحاء شتى، وهرب عيدروس إلى جيبوتي. كان رموز "الزمرة" قد انضموا في المواجهة إلى القوات المدافعة عن الوحدة بقيادة الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح، ووزير دفاعه –حينها- عبدربه منصور هادي (أبين) الذي تم تعيينه بعد الانتصار نائبا لرئيس الجمهورية، وأصبح لاحقا الرئيس التوافقي للبلاد (فبراير 2012- ابريل 2022م). 

 

عام 96م، عاد عيدروس إلى منطقته بالضالع، لينخرط وبعض "الرفاق" من الضباط الذين قاتلوا في صفوف الانفصال وتم تسريحهم لاحقا، في تنظيم سري يتبنى مشروع الانفصال أطلق عليه "حركة تقرير المصير"، الذي اشتهرت باسمها المختصر: "حتم"، أسسها البيض بتمويل إيراني.

بدأت هذه الحركة عملها سريا بلقاءات في الضالع وعدن ولحج، وتشكيل خلايا عسكرية في دوائر ضيقة، ودشّنت نشاطها المسلح بعمليات عنف واعتداءات وكمائن خاطفة ضد القوات الحكومية في الضالع وبعض مناطق محافظة لحج المجاورة، وأصبحت الجناح المسلح للحراك الانفصالي بزعامة البيض. في 2009 قام أنصار الحركة بتفجير البنك الأهلي في التواهي بعدن وتفجير أنبوب النفط في كالتكس وفندق بالمدينة. وحُكم على عيدروس وآخرين بالإعدام من قبل المحكمة في عدن، وأُعفي عنه لاحقا بقرار رئاسي.

انطلقت فعاليات الحراك الجنوبي السلمي، وبدأ نشاط جمعية المتقاعدين العسكريين الجنوبيين في 7 يوليو 2007، كأول فصيل ينادي علنا بالانفصال. قال عيدروس ورفاقه إن حتم لا علاقة لها بالحراك الجنوبي، محتفظين ببقاء الحركة كتنظيم مسلح مستقل بذاته، مستفيدين من الدعم المادي والسياسي والإعلامي من علي سالم البيض الذي أقام في ضيافة "حزب الله" بالضاحية الجنوبية لبيروت، وتبرعات مغتربين مؤيدين للانفصال، وفصائل الحراك المُتشدد، وغطاء إعلامي مداهن للحراك من بعض القوى المعارضة لنظام صالح. قبل ذلك انطلق التمرد الحوثي من صعدة في الشمال (شهد العام 2004 أول حرب بين الحكومة والحوثيين)، واستعر الصراع السياسي بين النظام وأحزاب المعارضة في الانتخابات الرئاسية 2006 وما تلاها، وظهر تنظيم القاعدة في محافظات شرقية وجنوبية، خصوصا شبوة وأبين.

ليتجه عيدروس ورفاقه إلى تشكيل مجاميع مسلحة من "الفدائيين"، وتنفيذ عمليات أكثر تنظيما ودموية، انطلاقا من حواضن شعبية في المناطق البعيدة الوعرة، واستطاع بناء تحصينات جيدة وتخزين أسلحة في جبال الضالع ولحج، خصوصا الحبيلين، وملاذات آمنة حمت خلايا ومخازن الحركة من ضربات القوات الحكومية، وتطوير مهارات مقاتليه على حرب العصابات والمعارك غير النظامية والكمائن والعمليات الفدائية المتفرقة. تلك الأعمال المسلحة وصفتها السلطات الرسمية حينها بالإرهابية، وراح ضحيتها مئات من ضباط وجنود الجيش اليمني، خصوصا من أبناء المحافظات الشمالية، ووصلت حد القتل بالهوية وأوغلت أيادي عناصر الحركة وأنصار الحراك الانفصالي في دماء مواطنين أبرياء والعمال الشماليين.

عيدروس الزبيدي وإلى يساره مرافقه مؤمن السقاف خلال نشاط الحراك المسلح

الدعم الإيراني وتدريبات الضاحية

تحت غطاء الحراك الجنوبي، تحديدا الفصيل المرتبط بإيران، ومظلة البيض، استمرت الفصائل المسلحة في التجنيد والتحشيد، وتنفيذ كمائن ونهب وحرابة واقتحامات للمؤسسات وحرق مدن وأسواق، وتكثيف التعبئة المناطقية والتحريض ونشر الكراهية والأحقاد، وتنفيذ فعاليات وخطابات وتصريحات للتعبير الصريح والواضح عن مشروع الكفاح المسلح لما يطلقون عليه "استعادة الدولة" تحت عنوان: "مقاومة الاحتلال الشمالي".

الدور الإيراني كان حاضرا في المشهد، جنوبا، مثلما هو حاضر شمالا عبر الحوثي في ضحيان صعدة، من خلال دعم البيض وفصيله وتمويل قنواته ووسائله الإعلامية من بيروت، ومد التنظيمات وفصائل الحراك الانفصالي بالتمويلات. موّلت إيران قناة "عدن المستلقة" واستضاف حزب الله مقرها في لبنان.

زار عيدروس لبنان وإيران، ومثلها صعدة، في تلك الفترة، وتلقى كعشرات من قادة الحراك الانفصالي، مخصصات شهرية من طهران. وساهم في تنسيق زيارات لقيادات انفصالية لإيران، وإرسال شباب ونشطاء من أبناء المحافظات الجنوبية لتلقي تدريبات عسكرية وأمنية وفكرية في طهران ولدى الحزب في الضاحية وفي دمشق.

يعترف الزبيدي في تصريح لصحيفة "الطريق" الصادرة في عدن (أكتوبر 2014م) بتلقيه دعما من إيران، وأنه وقّع معها اتفاقا في بيروت لاستعادة الدولة الجنوبية. يقول في تصريحه الذي جاء بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء: "تخلّت عنّا كل الدول فوقفت إيران معنا، ولن نتخلى عن من يدعمنا طالما نحن تحت الاحتلال"، معتبرا أن الدعم الإيراني جاء "لنصرة الشعوب المظلومة"، متهما السعودية بالسعي لتمزيق المقاومة الجنوبية وتمزيق مكونات الحراك السلمي بالمال السياسي -حد قوله.

 

تلقى البيض وعيدروس دعما وتمويلات من الضاحية ووجهات أخرى لافتتاح معسكرات ومراكز تدريبية في مناطق الضالع ولحج وفي منطقة المصنعة شبوة، وتدريب مجموعات وسرايا في جبال يموس بمنطقة العسكرية في لحج، وذلك بالتنسيق مع الحوثيين.

وجدوا في هشاشة قبضة الدولة المركزية والاضطرابات السياسية والأمنية، فرصة وبيئة مشجعة لتنمية الحركة، وتأسيس شبكتهم الخاصة، والإعداد الجيد للتنظيم المسلح وتأمين الأسلحة، واتجهوا نحو توسيع قوة وقوام الحركة وتطوير هياكلها وخططها والتعاون مع ضباط وقادة محسوبين على البيض مشحونين بالحقد المناطقي والأيديولوجيا السياسية، كما شرعوا في استقطاب طاقات شبابية وتدريب مجاميع قتالية من المتطوعين، وتأطيرهم قياديا، وتشكيل النواة الأولى لـ "المقاومة الجنوبية المسلحة" سرّيا عام 2009. وفي يونيو 2011، أعلن عيدروس استئناف "الكفاح المسلح"، تزامنا مع اندلاع ثورة الشباب ضد نظام صالح.

في 18 مايو 2010م، قام مسلحون بمدينة الحبيلين في لحج، باستهداف موكب للدكتور رشاد العليمي، نائب رئيس الوزراء لشئون الدفاع والأمن ووزير الإدارة المحلية حينها، رئيس مجلس القيادة حاليا، وأفادت معلومات أنه كان من المفترض أن يكون الرئيس صالح في الموكب عائدا من عدن إلى صنعاء، إلا أن صالح كان قد وصل إلى تعز على متن طائرة مروحية. وقد تبيّن أن حتم هي المنفذة للعملية.

 

في منطقة سَنَاح قَعْطَبَة بالضَّالِع، ظهر قادة حتم وحراك البيض يوم 7 يوليو 2013م معلنين أن البيض هو "الرئيس الشرعي"، وإغلاق "معبر سناح"، منفذ الحدود الشطرية سابقا. منطقة سناح هي النقطة التي توقف عندها الضابط البريطاني هارولد فيتنون جاكوب عام 1902م، وتم عندها ترسيم الحدود بين بريطانيا التي كانت آنذاك تتحكم بجنوب اليمن، وبين الدولة العثمانية التي كانت تتحكم بالشمال، وهي أيضا النقطة التي توقفت عندها عملية تحرير البلاد من الحوثيين عام 2015م.

مع تمدد الحوثيين خارج صعدة، أُعلن رسميا وللمرة الأولى عن مسمى "المقاومة الجنوبية" كتنظيم مسلح، بخروج عيدروس بصفته قائدها في يناير 2014 عبر شاشة قناة "عدن لايف"، معلنا "البيان الأول"، مؤكدا استمرار العمليات المسلحة حتى "إزالة الاحتلال اليمني من أرض الجنوب واستعادة دولته"، لتظهر المقاومة إلى الواجهة كلافتة جديدة لـ "حتم" وللعمل المسلح مع توسيع دائرة نشاطها وضم قادة جدد.

الرئيس هادي والزبيدي وشلال في ميناء المعلا بعدن 2015

تموضعات ما بعد العاصفة

شهدت الحركة الانفصالية تحولا جديدا مع تمدد الحوثيين نحو المحافظات الجنوبية عقب إسقاط صنعاء، وانطلاق عاصفة الحزم (26 مارس 2015م). وتُفيد معلومات "ديفانس لاين" أن عيدروس حصل حينها على تواصل ودعم سعودي في الأسابيع الأولى للعاصفة لضمان تحوله إلى مواجهة الحوثيين وقطع علاقته مع الايرانيين، وبالفعل بدأ بالتحشيد والتعبئة تحت عنوان "مواجهة احتلال الحوثي وصالح"، مع التركيز على الهدف الأساسي المتمثل بـ "استعادة الاستقلال".

اتجه الزبيدي لإعادة التموضع في ظل التفاعلات الجارية والبحث عن فرص جديدة، مكثفاّ جهده على حشد وتدريب مقاتلين جدد والحفاظ على تماسك ما عنده من كتائب قتالية وما لديه من سلاح مُقتَنى أو مما تم الاستيلاء عليه من معسكرات الحكومة في فترة نظام صالح.

كان قد استطاع بناء بعض الوحدات وتشكيل كتائب وسرايا، مشاة وصاعقة، مسنودين بمقاتلين ومجاميع قبلية كخلايا سرية، لتكن خمائر جاهزة قابلة للاستثمار والاستخدام، ومساعدته للحظوة بكفيل جديد.

بحسب مصادر، لم ينخرط عيدروس وتشكيلاته المسلحة بشكل فعّال في مواجهة الحوثيين منذ اللحظة الاولى، ولم تكن مجاميعه هدفا للجماعة التي هرول مسلحوها نحو عدن وباب المندب. مع وصول الحوثيين إلى محافظة الضالع واستيلائهم على عاصمتها قبل يومين من انطلاق "عاصفة الحزم"، هبّت القبائل والمقاومة الشعبية ومجاميع سلفية وما تبقى من قوات الأمن الحكومية والجيش الوطني لمواجهتهم، ثم انضم إليهم الزبيدي وأنصاره لاحقا. استطاعت تلك الهبة مسنودة بمقاتلات التحالف العربي بعد نحو شهرين من المعارك تحرير مدينة الضالع، ومناطق مجاورة، أما استكمال تحرير بقية المناطق فقد تأخر حتى التاسع من أغسطس. والحديث هنا عن تحرير مديريات الضالع التي كانت جنوبية قبل الوحدة، أما تلك التي يعتبرها الانتقالي شمالية فلم تحرر حتى اليوم.  

ظهر عيدروس في الثالث من مايو 2015م يخطب في مجاميع "الدفعة الخامسة مقاومة جنوبية" بمعسكر الصاعقة في جبال الضالع، وقال إن تلك الكتائب هي "نواة الجيش الجنوبي الحر"، وحضر –أيضا- فعالية تخرج الدفعة الثامنة مقاومة جنوبية في أحد المعسكرات (19 يونيو 2015)، وأعلن أن وجهته القادمة صوب العاصمة عدن وقصر معاشيق، المقر المؤقت لإقامة الرئاسة والحكومة اليمنية، حينها كان شباب مدينة عدن وأهاليها يخوضون معركة التصدي للحوثيين بما تيسر لهم من سلاح شخصي وتساندهم طائرات التحالف العربي.

 

الكفيل الجديد والتوجه نحو قصر معاشيق

مع انطلاق عمليات تحرير عدن (17 يوليو 2015م) بغطاء جوي ومشاركة برية وبحرية سعودية وإماراتية، كان عيدروس يعمل تحت راية القائد السلفي الضالعي المعروف بـ "رشاد الشرعبي"، وظهر كأحد قادة المقاومة بالضالع في مقابلة مع صحيفة "العربي الجديد" الممولة من قطر (20 يونيو)، معترفا بعدم التواصل مع القيادة الشرعية برئاسة هادي، وقال يومها إن التعاطي مع أهداف التحالف العربي لا يعني التخلي عن هدف "التحرير والاستقلال واستعادة دولتنا وعاصمتها عدن بقيادة الرئيس الشرعي للجنوب السيد علي سالم البيض".

لتبدأ آنذاك انعطافة جديدة.

 

مبكرا أصرّت الإمارات على أن تتسلّم ملف معركة عدن بريا وأن تكون حاملة قلم الجنوب، فبدأت تشكيل قوات مستقلة، معتمدة على كتائب الحراك الانفصالي وخمائر العسكريين السابقين الناقمين على الوحدة، ومدتها بالدعم والسلاح وعملت على تطوير هياكلها، وتجنيد نشطاء الحراك وشباب تأثروا بالتعبئة المناطقية والنزعة الانفصالية وانخرطوا في فعالياته وأنشطته خلال السنوات التي سبقت، إلى جانب استقطاب قيادات ومجاميع سلفية، وأشرفت على تأطيرهم في ألوية ووحدات موازية خارج سيطرة الحكومة وخارج هياكل الدولة ومؤسساتها الدستورية، مع الحرص على استبعاد كتل وشخصيات رئيسية شاركت في المقاومة خلال الأشهر التي سبقت ترتيبات الإمارات، وحصر القيادة والانتساب على أنصار الانفصال من أبناء المحافظات الجنوبية، والتركيز بدرجة أساسية على مناطق "المثلث": الضالع، ومناطق يافع وردفان محافظة لحج. ثم بدرجة هامشية عدن وأبين وبقية مناطق لحج.

تحت غطاء عاصفة الحزم، وعناوين مواجهة الحوثيين، تولّت الإمارات تنظيم التشكيلات المنتمية حصرا لتلك المناطق الجغرافية وفق معايير غير وطنية وخليط من أنماط مناطقية وطائفية، وتأهيلها في معسكرات خاضعة لإشرافها المباشر، ونقل مجاميع للتدريب داخل أراضيها، وفي قواعد ومعسكرات تابعة لها في دول مجاورة.

بعد تحرير مدينة عدن توجه الزبيدي ومجاميعه إلى عدن، آنذاك كانت المقاومة قد تمكنت من طرد الحوثيين ووصلت إلى قاعدة العند الجوية، وهناك كان أول ظهور للزبيدي في القاعدة عبر قناة "الجزيرة" (6 أغسطس 2015)، وبعدها تولى بعض معارفه الزبيدي ممن لهم ارتباط بالإماراتيين تقديم الرجل إلى الاماراتيين وربط علاقة مباشرة لأول مرة.

شهدت المدينة بعد تحريرها هجمات إرهابية، وأُقيل زعيم المقاومة الشعبية نايف البكري (8 أكتوبر 2015) من منصبه محافظا لعدن، بضغط إماراتي كونه مقربا أو محسوبا على حزب الإصلاح، وعُين اللواء جعفر محمد سعد، المولود بالشيخ عثمان عدن، خلفا له، وهو ضابط محترف، ويوصف بأنه كان أحد مهندسي خطة تحرير عدن، وعضو غرفة العمليات، لكن جعفر اغتيل بعد نحو شهرين من تعيينه بتفجير سيارته (6 ديسمبر).

وضع اليد على عدن

غداة مقتل المحافظ جعفر، وقبل إجراء مراسيم جنازته، صدر قرار رئاسي بتعيين عيدروس الزبيدي محافظا لعدن، وتعيين شلال علي شايع مدير للأمن (7 ديسمبر2015)، تنفيذا لرغبة أبو ظبي. باتت عدن في قبضته وداعميه لزمن قادم.

 

نال عيدروس حلمه، وأصبح حاكما للعاصمة، اعترف بهادي رئيسا شرعيا، ورفع علم الجمهورية اليمنية التي يصفها بـ "العدو المحتل"، وأدى اليمين الدستورية بألفاظه المتضمنة القسم على الحفاظ على النظام الجمهوري للجمهورية اليمنية واحترام دستورها والحفاظ على وحدتها. هذا القسم سوف يرفض عيدروس تكراره لاحقا عند تعيينه عضوا في مجلس القيادة الرئاسي عام 2022، ليؤدي هذه المرة القسم أمام البرلمان اليمني بصورة مجتزأة، مستبعدا منها الجمل المتعلقة بالحفاظ على الوحدة والنظام الجمهوري.

مستفيدا من الدعم الإماراتي السخي ومستغلا موقعه الرسمي، مضى الزبيدي ورفيقه شلال لترسيخ دعائم مشروع الانفصال على مسارات متعددة، ليبدأ تسكين قواتهم وإنشاء وحدات ومسميات ضمن هياكل المؤسسات العامة، عسكرية وأمنية، واستبدال الملاكات البشرية في أخرى، وتسكين مقاتليهم وشبكة المقربين والموالين في هياكلها القيادية ومفاصلها الرئيسية. وقامت الإمارات -تحت غطاء المحافظ ومدير الأمن، ولافتة مواجهة الحوثي- بتشكيل قوات وأحزمة أمنية تحت إشرافها المباشر وإدارة قواتها في مدينة البريقة، واستبعاد وطرد كل من لا يدين بالولاء للامارات ولنزعة الانفصال، إدارةً وتمويلا وعملياتيا (لاحقا، تم إحلال هذه القوات محل القوات النظامية والأجهزة الرسمية). ثم أضيفت -فيما بعد- لافتة "محاربة الإرهاب"، كغلاف للتدخل وإنشاء وحدات ومسميات مستقلة وضمن هيكل شرطة عدن ومحافظات مجاورة.

ركّز الزبيدي مبكرا على بناء قوات عسكرية وأمنية كقاعدة لتحقيق أهدافه ومنهجيته وقناعاته في الاعتماد على القوة التي اتكأت عليها دورة النمو والتمدد الدراماتيكي لحركته، وجلب رفاقه إلى عدن وعيّنهم على رأس الألوية والوحدات، وحشد مقاتلين ومجندين وفق أفضلية الضالع أولا.

منذ ما بعد تحرير عدن، وما تلاها من تطورات وإرهاصات تم إخلاء عدن والمحافظات الجنوبية من أي قوات وطنية وأي وحدات عسكرية لم تتأسس على العقيدة الانفصالية، أيا كان انتماء منسبيها الجغرافي، من الشمال والجنوب على حد سواء، مع تنامي قوات ذات عقيدة انفصالية وموالية للمجلس الانتقالي.

في العاشر من سبتمبر 2016م، وبعد زيارة للإمارات والسعودية، خرج المحافظ الزبيدي في مؤتمر صحفي بعدن، داعيا القوى السياسية والمقاومة في المحافظات الجنوبية المحررة لـ "اغتنام الفرصة السانحة وتشكيل كيان سياسي يكون ندا للتيارات السياسية الموجودة في شمال اليمن" –حد تعبيره. ووجّه دعوة للرئيس هادي و"التحالف العربي" لدعم ما قال إنه "توجهات الجنوبيين في إعلان كيانهم السياسي المعبر عن تطلعاتهم ويمثلهم في الحكومة وفي أي مفاوضات سياسية مستقبلية". (حظيت هذه الدعوة بمباركة الحزب الاشتراكي).

انزعجت السلطة الشرعية من خطوات الزبيدي واعتبرتها تهديدا استراتيجيا، واتجهت لاتخاذ إجراءات، وأصدر هادي قرارا بإقالة عيدروس (أبريل 2017) وعيّنه سفيرا بوزارة الخارجية، إلا أن القرار لاقى رفضا من تيار عيدروس داخليا، والإمارات إقليميا. رفض عيدروس تسليم مقر المحافظة لخلفه ابن محافظته (الضالع) عبدالعزيز المفلحي، وقامت أبو ظبي بسحب بعض القوات المشاركة في تحرير السواحل الغربية.

دعا الزبيدي أنصاره لمظاهرة في ساحة العروض (4 مايو 2017)، تم توظيفها لإصدار ما وصفوه بـ "إعلان عدن التاريخي"، واعتبار البيان الذي تمت قراءته باسم المظاهرة بأنه بيان الإرادة الشعبية و"تفويض شعبي" للزبيدي لتشكيل قيادة سياسية جنوبية برئاسته لإدارة وتمثيل الجنوب، ليعلن عيدروس تأسيس "المجلس الانتقالي" وتنصيب نفسه رئيسا وتشكيل هيئة رئاسية للمجلس قوامها 26 عضوا.

عيدروس الزبيدي ومؤمن السقاف

التمرد مجددا

توالت الخطوات، ليصبح الانتقالي الحامل السياسي لنفوذ أبوظبي ومظلة لأذرعها المسلحة، ويمضى لتوسيع سيطرته على الأرض تزامنا مع بناء واستكمال هيئاته ومؤسساته، وبات المتحكم الوحيد، يحتكر الحصص والمناصب الجنوبية ويستولى على مكاسب وعوائد القضية الجنوبية.

تم دمج كل التشكيلات الجنوبية الممولة إماراتيا، عسكرية وأمنية بمختلف مسمياتها تحت إطار الانتقالي وتحت مسمى "القوات المسلحة والأمن الجنوبية"، ومنح عيدروس صفة "القائد الأعلى" فيها.

في أواخر يناير 2019، دفع الانتقالي بقواته للتمرد على الحكومة الشرعية بغية إسقاط عدن، إلا أنه فشل في إنجاز المهمة، ليعاود الكرّة في أغسطس من ذات العام، ليندفع بعمل عسكري مستفيدا من تجربة أول العام، ومسنودا بدعم إماراتي مباشر، معلنا النفير العام لاقتحام القصر الرئاسي بمعاشيق كريتر عدن، ويتمكن هذه المرة من إسقاط المدينة، ويتمدد نحو أبين وشبوة، قبل أن تنتكس قواته وتتراجع أمام القوات الحكومية التي اقتربت من مطار عدن، وتتدخل الإمارات بشكل غير متوقع، وتقدم على القصف الجوي لقوات الحكومة على مشارف عدن وإجبارها على التراجع إلى منطقة "شُقْرة" في محافظة أبين.

بوصول الانتقالي إلى هذه المرحلة، تحقق لراعيه الإقليمي الهدف من دعمه، ليدفع به إلى محافل السياسة مفاوضا الحكومة برعاية السعودية، وحاصلا بذلك على اعتراف بوجوده وأنه أصبح طرفا سياسيا وشريكا في السلطة، مشاركا في حكومة المناصفة بين الشمال والجنوب المنبثقة عن "اتفاق الرياض" في الخامس من نوفمبر 2019، وتمكن الانتقالي مستفيدا من هذه الخطوات من إعادة ترتيب صفوف قواته، والتهرب من تنفيذ الالتزامات التي تضمنها الاتفاق وملحقه العسكري والأمني، ليحتفظ ببقاء قواته ويمضي نحو تطويرها.

 

الاضطرابات المتفاقمة محليا وإقليميا منحت الانتقالي فرص البقاء، وتداخلت طموحاته مع توجهات إزاحة الرئيس هادي وإعادة صياغة بنية السلطة الشرعية، وجاء إعلان نقل السلطة برعاية سعودية (7 ابريل 2022م) معززا لنفوذ الانتقالي، وحصل رئيسه عيدروس على مقعد في مجلس القيادة الرئاسي، ومقعدين آخرين، لنائبيه: عبدالرحمن المحرّمي –أبو زرعة قائد ألوية العمالقة الجنوبية، واللواء فرج البحسني المسئول عن قوات النخبة الحضرمية وخفر السواحل في حضرموت.

تعززت مكاسب الانتقالي، بفضل دعم أبو ظبي، وتصاعد نفوذه جنوبا وشرقا على حساب سلطة الحكومة الشرعية، وتمكن خلال عام 2022 من وضع يده على شبوة الغنية بالنفط والثروات، ومثلها جزيرة سقطرى. ليمضى المجلس نحو تأسيس هيئات ومقومات الانفصال وتطوير قواته العسكرية والأمنية، ورفع علم الانفصال واعتمد نشيد وطني جنوبي.

أطلق عيدروس على نفسه صفة "الرئيس القائد"، ومن مكتبه بمنطقة التواهي كان يدير المحافظات الخاضعة لمجلسه بالأمر الواقع، ممسكا بنفوذ وسلطات متعددة. اختار قصر "المُدَوَّر" بالتواهي مقرا رئيسيا له وللمجلس، هذا القصر شهد إعلان الوحدة وقيام الجمهورية اليمنية في (22 مايو90م)، وعلى سارية في ساحته تم رفع علم اليمن الموحد بقيادة علي صالح، وعلي سالم البيض، وفي ذات السارية رفع عيدروس العلم الجنوبي.

أمسك عيدروس بموارد الدولة اليمنية وسخّر مؤسساتها لخدمة مشروع الانفصال، ووضع يده على الموانئ والبنك المركزي في عدن، وحاصر الحكومة الشرعية في المدينة وقوّض سلطاتها وصلاحياتها. أمر برفع صوره في عدن والحواضر الجنوبية، وبات يحضر في محافل دولية ويستقبل في قصور وصالات التشريفات ويسافر على طائرات خاصة ومواكب رئاسية ويقتني ساعات وماركات عالمية باهظة الأثمان، وبنى شركات واستثمارات وأرصدة.

وعيّن حارسه ومرافقه الخاص مؤمن السقاف عضوا في هيئة رئاسة الانتقالي ورئيسا للمجلس في عدن منذ ديسمبر 2023، ورشّحه لاحقا لمنصب نائب وزير الشباب والرياضة ضمن جملة تعيينات كان يفرضها على الحكومة. حظي مؤمن بنفوذ تنظيمي وإداري، وسلطات تفوق سلطة المحافظ، ويجلس في الصفوف الأولى.

الزبيدي يشهد عرض عسكري في عدن 30 نوفمبر 2025

التمرد الثالث.. والزيارة الأخيرة

في نوفمبر الماضي توجّه عيدروس، وبرفقته مؤمن السقاف، نحو ردفان لحج، وبحضور فرقة الموسيقى العسكرية وحرس الشرف وضع إكليل الزهور على نصب قائد ثورة 14 أكتوبر راجح لبوزة، وزار ساحة الحرية والنصب التذكاري.

ثم توجّه إلى مسقط رأسه، الضالع، التي كان مطاردا في جبالها، وخطب أمام حشد جماهيري اجتمعوا لإحياء ذكرى ثورة 30 نوفمبر، متباهيا بما وصل إليه من تمكين، تحدّث عن اقتراب النصر لمشروع الانفصال "الذي لا تراجع عنه". كانت هي الزيارة الأخيرة. زيارة الوداع.

عاد إلى عدن، ليظهر من وراء ساتر زجاجي مانع للرصاص بساحة العروض في خور مكسر، واصطف خلفه كبار القادة ووزراء جنوبيون في الحكومة، ووقف مؤديا التحية للقوات العسكرية والأمنية في أكبر استعراض منذ عقود.

كانت الإمارات قد دفعت بقواتها التي استثمرت فيها عقد من الزمن وأنفقت عليها المليارات، لاجتياح حضرموت والمهرة، شرقا، بغية استكمال السيطرة على الجغرافيا الجنوبية وفرض النفوذ على المناطق الحيوية قرب الحدود البرية مع السعودية شمالا، ومع سلطنة عمان شرقا. وفي قصر معاشيق حاولت قوات الانتقالي احتجاز رئيس المجلس الرئاسي وأجبرته على مغادرة العاصمة المؤقتة. سيطر عيدروس على القصر وأمر بإنزال العلم اليمني ورفع صوره مكان صور الرئيس.

 

اجتاحت القوات المدعومة إماراتيا المدن والمطارات ونهبت المعسكرات والمؤسسات في حضرموت، ووصلت إلى قرب الحدود والمنافذ البرية. ظهر في مقدمتها القيادي صالح علي بن الشيخ أبو بكر المكنى أبو علي الحضرمي، أمين عام حركة حتم والمسئول عن تمويلاتها، وهو الذي خدم مع إيران وحزب الله وكان ذراع علي سالم البيض ومديرا لقناته "عدن المستقلة" في لبنان.

هذا التصعيد العنيف دفع الحكومة اليمنية لطلب التدخل السعودي عسكريا عبر قوات التحالف الداعم للشرعية، لم يستجب الانتقالي للدعوات الدولية ووساطات التهدئة، وأطلق إعلانا دستوريا لما يسميه بدولة الجنوب العربي (2 يناير). ومع تقدم القوات اليمنية لاستعادة سيئون والمكلا والغيضه، كانت المقاتلات تحلق في سماء عدن وتسقط قنابلها على مخازن ومعسكرات ومخازن سلاح في قرية "زُبيد" مسقط رأس الزبيدي بالضالع.

قرّر عيدروس، ومعه مرافقه القديم السقاف، الهروب، ولجأ لسفينة تقليدية لتهريبه بحرا من ميناء عدن إلى ميناء بربرة بالصومال يوم الأربعاء السابع من يناير 2026، ومنها كانت طائرة عسكرية إماراتية تنتظر نقلهم إلى أبو ظبي.

لتطوى بذلك مسيرة الزبيدي ورفاقه، بمرسوم رئاسي قضى بإسقاط عضويته من مجلس القيادة الرئاسي، وإحالته للتحقيق بتهم "الخيانة العظمى.. والمساس باستقلال الجمهورية، والإضرار بمركزها الحربي والسياسي والاقتصادي.. والاعتداء على الدستور والسلطات الدستورية". ليتم بعدها إعلان حل المجلس وهيئاته.

 

في وقت تشير معلومات عن اعتزام بعض المقربين لعيدروس تشكيل خلايا مسلحة لمناهضة الوضع الجديد حتى لو تطلب الأمر العودة إلى بدايات حركة حتم، وهو أمر قد يُعيد الصلات القديمة له وأنصاره باعتبار أن تقويض نفوذ الرياض والحكومة الشرعية غاية تهم عدة دول إقليمية: طهران التي كان لها السبق والطامعة في باب المندب، أو الامارات التي خرجت مطرودة في الأيام الأولى لهذا العام، وبالطبع جماعة الحوثيين.

 


أحمد شبح

ناشر ورئيس تحرير منصة "ديفانس لاين". يعمل كصحفي متخصص في المجال الدفاعي والأمني. عمل سابقا سكرتيرا صحفيا بمكتب وزير الدفاع ومسئولا للاعلام العسكري بالوزارة.


اطلع على المزيد